الحروب وأسبابها تاريخًا

الحروب وأسبابها تاريخًا
يقول الميرزا:
“المسيح الموعود سيُنهي ببعثته الحروبَ، وإلى ذلك تشير الآية القرآنية {حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا}.. أي قاتِلوا حتى يأتي زمنُ المسيح”. (الحكومة الإنجليزية والجهاد)
فما هي هذه الحروب التي كان واجبا علينا إشعالُها، ثم وَجَبَ علينا إيقافها عند إتيان الميرزا؟
يقول الأحمديون: هي الحروب الدينية، أي قتال الناس حتى يعتنقوا دين المعتدي.
قلتُ: لكنّ الميرزا هنا يفسّر الآية على أنها تخاطب المؤمنين، وتطالبهم بالاستمرار بالقتال حتى يأتي زمنُ المسيح!! وهذا يعني أنّ المسلمين هم البادئون، لأنّ المعتَدَى عليه ليس هو مَن يقرر نهاية المعركة، بل المعتدي مَن يستطيع، وذلك بإيقاف عدوانه.
هذا هو نصّ الآية: {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} (محمد 4).. وتفسيرها عند الميرزا:
استمروا في ضرب رقاب الكفار حتى يأتي الميرزا، فتوقَّفوا عن قتلهم!!!
وواضح أنه يتّهم المسلمين مِن يومهم الأول بأنهم معتدون.
الحقيقةُ أنَّ الحروب لم تتغير في زمن الميرزا عما كانت عليه قبله؛ ذلك أنّ الناس عادةً لا يعلنون الحرب لمجرد الخلاف الديني، لكنَّ تناقضَ المصالح بين الدول هو الذي يسبِّب الحروب، سواء اتفقَتْ هذه الدول في الدين أم اختلفتْ. ألا ترى الدولة العباسية قد طحَنَت الدولة الأموية؟ ألا ترى الحروب بين فرنسا وبريطانيا استمرت دهورا، والكلّ في دين واحد؟ ألا ترى أنّ أهمّ الحروب عبر التاريخ لم تكن دينية، وأهمها حروب المغول في القرنين 13 و 14.. حيث لم يكن للدين أي سبب فيها، وقد أسفرت عن مقتل 35 مليونا من مسلمين ومن غير مسلمين. وتسبّبت في القضاء على الخلافة العباسية في بغداد. أما حرب الأعوام المائة بين فرنسا وبريطانيا في القرنين الـ 14 و 15، فهي من أطول الحروب عبر التاريخ، ولم يكن للدين أي علاقة بها.
وفي ظلّ تناقض المصالح فيما بين الدول الأوروبية المسيحية تحالفت دولة الخلافة العثمانية في ذروة مجدها عام 1536 زمن سليمان القانوني.. مع فرنسا ضد إسبانيا. فأين الدينُ من هذا كله؟
أما الحروب التالية بين الكاثوليك وبين البروتستانت فمع أنها حروب مذهبية، ولكنّ المصالح والصراعات بين الملوك هي الأساس وهي السبب الحقيقي في استمرارها. ثم إنه لا علاقة لها بالإسلام والمسلمين.. أي لا علاقة لها برواية وضع الجزية حتى لو كانت حربا مذهبية.
إذا شعرتْ دولةٌ أنّ هناك تهديدا قادما من دولة مجاورة بسبب نشوء دين جديد أو ثورة جديدة أو وضع جديد، فقد تعلن حربا استباقية. ولكن لا يقال هنا أنّ الدين الجديد هو السبب، ولا الثورة الجديدة، بل السبب هو خشية الدولة على نفسها من هذه القوى المجاورة الصاعدة، سواء كانت قوى دينية أم غير دينية، وسواء كان شعورها في محلِّه أم كان مجرد وساوس؛ فهجومُ صدّام على إيران لم يكن بسبب الدين، ولم يكن بسبب ولاية الفقيه، ولا بسبب خشية انتشار المذهب الشيعي بين العرب، بل بسبب خشيته من هجوم إيران عليه. صحيح أنّه كان يظنّ أنها تريد أن تهاجمه مِن أجل أن تنشر المذهب الشيعي، ولكن لو كان يضمن أنّ عرشه لن يهتز، فلن يحرّك ساكنا حتى لو صار الناس كلهم شيعة. فلا التشيّع يعني صداما ولا التسنُّن، وهكذا الحكام عموما.
فالحقيقةُ أنّها حروب مصالح من أول يوم، ولم تتغير الدنيا في القرن التاسع عشر، ولم يتغيّر الإنسان.
فبعد هذه الأمثلة الواضحة الممتدة 600 سنة قبل الميرزا، لا يمكن القول أنّ الحروب الدينية قد انتهت في زمن الميرزا، ولا أنها ابتدأت، ولا أنها تغيّرت.. بل الأحوال هي هي؛ فالصراعات ما تزال صراعات مصالح، وإنْ حاول بعضُ الملوك استخدام الدين لصالحهم. وبهذا يسقط تفسير الميرزا لحديث: “يضع الجزية أو يضع الحرب” بمعنى: قاتلوا الكافرين حتى بعثة الميرزا!!
#هاني_طاهر 23 فبراير 2018

(Visited 28 times, 1 visits today)
Kyrie Irving Authentic Jersey