الجزالة والرقة

الجزالة والرّقة

يقول ابن الأثير:

وقد رأيت جماعةً من مدعي هذه الصناعة يعتقدون أنّ الكلام الفصيح هو الذي يَعِزُّ فهمُه، ويبعُد مُتناوَله، وإذا رأوا كلاماً وحْشِياً غامض الألفاظ يُعجبون به ويصفونه بالفصاحة، وهو بالضد من ذلك لأن الفصاحة هي الظهور والبيان، لا الغموض والخفاء.

وسأبين لك ما تعتمد عليه في هذا الموضع، فأقول:

الألفاظ تنقسم في الاستعمال إلى جزلة ورقيقة، ولكل منهما موضع يحسن استعماله فيه.

فالجزل منها يستعمل في وصف مواقف الحروب، وفي قوارع التهديد والتخويف، وأشباه ذلك.

وأما الرقيق منها فإنه يستعمل في وصف الأشواق وذكر أيام البعاد، وفي استجلاب المودّات، وملاينات الاستعطاف، وأشباه ذلك.

ولست أعني بالجزل من الألفاظ أن يكون وحشياً متوعراً عليه عنجهية البداوة، بل أعني بالجزل أن يكون متيناً على عذوبته في الفم ولذاذته في السمع، وكذلك لست أعني بالرقيق أن يكون ركيكاً سفسفاً، وإنما هو اللطيف الرقيق الحاشية الناعم الملمس. (المثل السائر)

ثم يضرب أمثلةً على الجزل من الألفاظ آياتٍ قرآنيةً وعيدية، مثل: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} (الزمر 68)، ويضرب أمثلة على الألفاظ الرقيقة هذه الآيات: {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} (الضحى 1-3).

ثم يستشهد بأبيات من قصيدة السموأل ويعلق عليها بقوله: فإذا نظرنا إلى ما تضمَّنَتْه مِن الجزالة خِلْناها زُبَراً مِن الحديد، وهي مع ذلك سهْلة مُستَعْذَبَة غَير فَظّة ولا غَليظَة. (المثل السائر)

وهذه هي قصيدة السموأل الساحرة التي أتى ببعض أبياتها:

إِذا المَرءُ لَم يَدنَس مِنَ اللؤمِ عِرضُهُ….. فَكُلُّ رِداءٍ يَرتَديهِ جَميلُ

وَإِنْ هُوَ لَم يَحمِل عَلى النَفسِ ضَيْمَها….. فَلَيسَ إِلى حُسنِ الثَناءِ سَبيلُ

تُعَيِّرُنا أَنّا قَليلٌ عَديدُنا….. فَقُلتُ لَها إِنَّ الكِرامَ قَليلُ

وَما قَلَّ مَن كانَت بَقاياهُ مِثلَنا…. شَبابٌ تَسامى لِلعُلى وَكُهولُ

وَما ضَرَّنا أَنّا قَليلٌ وَجارُنا…… عَزيزٌ وَجارُ الأَكثَرينَ ذَليلُ

لَنا جَبَلٌ يَحتَلُّهُ مَن نُجيرُهُ….. مَنيعٌ يَرُدُّ الطَرفَ وَهُوَ كَليلُ

رَسا أَصلُهُ تَحتَ الثَرى وَسَما بِهِ….. إِلى النَجمِ فَرعٌ لا يُنالُ طَويلُ

هُوَ الأَبلَقُ الفَردُ الَّذي شاعَ ذِكرُهُ….. يَعِزُّ عَلى مَن رامَهُ وَيَطولُ

وَإِنّا لَقَومٌ لا نَرى القَتلَ سُبَّةً…. إِذا ما رَأَتهُ عامِرٌ وَسَلولُ

يُقَرِّبُ حُبُّ المَوتِ آجالَنا لَنا…. وَتَكرَهُهُ آجالُهُم فَتَطولُ

وَما ماتَ مِنّا سَيِّدٌ حَتفَ أَنفِهِ…. وَلا طُلَّ مِنّا حَيثُ كانَ قَتيلُ

تَسيلُ عَلى حَدِّ الظُباتِ نُفوسُنا…. وَلَيسَت عَلى غَيرِ الظُباتِ تَسيلُ

صَفَونا فَلَم نَكدُر وَأَخلَصَ سِرَّنا…. إِناثٌ أَطابَت حَملَنا وَفُحولُ

عَلَونا إِلى خَيرِ الظُهورِ وَحَطَّنا…. لِوَقتٍ إِلى خَيرِ البُطونِ نُزولُ

ونَحنُ كَماءِ المُزنِ ما في نِصابِنا….. كَهامٌ وَلا فينا يُعَدُّ بَخيلُ

وَنُنكِرُ إِن شِئنا عَلى الناسِ قَولَهُم…. وَلا يُنكِرونَ القَولَ حينَ نَقولُ

إِذا سَيِّدٌ مِنّا خَلا قامَ سَيِّدٌ…. قَؤُولٌ لِما قالَ الكِرامُ فَعُولُ

وَما أُخمِدَت نارٌ لَنا دونَ طارِقٍ…. وَلا ذَمَّنا في النازِلينَ نَزيلُ

وَأَيّامُنا مَشهورَةٌ في عَدُوِّنا…. لَها غُرَرٌ مَعلومَةٌ وَحُجولُ

وَأَسيافُنا في كُلِّ شَرقٍ وَمَغرِبٍ…. بِها مِن قِراعِ الدارِعينَ فُلولُ

مُعَوَّدَةٌ أَلّا تُسَلَّ نِصالُها …. فَتُغمَدَ حَتّى يُستَباحَ قَبيلُ

سَلي إِن جَهِلتِ الناسَ عَنّا وَعَنهُمُ…. فَلَيسَ سَواءً عالِمٌ وَجَهولُ

فَإِنَّ بَني الرَيّانِ قَطبٌ لِقَومِهِم…. تَدورُ رَحاهُم حَولَهُم وَتَجولُ

بعد هذه المقدمة نأتي إلى شعر الميرزا لنرى إن كانت ألفاظه جزلة حيث يجب أن تكون جزلة، وهل هي رقيقة حيث يجب أن تكون رقيقة، أم أنها متوعّرة في الحالتين؟!

فلنأخذ قصيدةً من كتاب إعجاز المسيح الخوّار، حيث يقول:

ومعنى الرَّجْمِ في هذا المقامِ كما عُلِّمتُ مِن ربِّ الأَنامِ

هو الإعضالُ إعضالُ اللِّئامِ وإسكاتُ العِدا كَهْفِ الظلامِ

وضربٌ يختلي أصلَ الخِصامِ ولا نعني به ضَرْبَ الحُسامِ

ترى الإسلامَ كُسِّرَ كالعِظامِ وكَمْ مِن خامِلٍ فاقَ العِظامِ

فنادَى الوقتُ أيّامَ الإمامِ لِتُنجَى المسلمونَ مِن السِّهامِ

فلا تعجَلْ وفكِّرْ في الكلامِ أليسَ الوقت وقتَ الانتقامِ

أَتى فوجُ الملائكةِ الكِرامِ بِكَفِّ المصطفى أَضْحَى الزِّمامِ

ولنأخذ قصيدة أخرى يخاطب فيها الميرزا شيخا:

ألا أيها الواشي إلامَ تكذِّبُ وتُكفِرُ مَن هو مؤمن وتُؤنِّبُ

وآليتُ أني مسلمٌ ثم تُكفِرُ فأين الحيا أنت امرؤٌ أو عقرَبُ؟

ألا إنني تِبرٌ وأنت مُذهَّبٌ ألا إنني أسدٌ وإنك ثعلبُ

ألا إنني في كل حرب غالبٌ فكِدْني بما زوّرتَ والحقُّ يغلِبُ

لا أرى أن نعلّق، فلو كان السموأل بيننا وسمع شعر الميرزا لانتحر. وحتى لا ينتهي المقال بالغثيان، فنهدي القارئ شيئا من أبيات معلقة امرئ القيس:

ولَيلٍ كَمَوجِ البَحْرِ أَرْخَى سُدولَهُ … عَليّ بأَنْواعِ الهُمُومِ ليَبتَلي

فَقُلْتُ لَهُ لمّا تَمَطَّى بِجَوْزِهِ … وَأَرْدَفَ أَعْجازاً ونَاءَ بكَلْكَلِ

أَلا أَيُّها اللّيلُ الطّويلُ ألا انْجَلِ … بِصُبْحٍ، وما الإصْبَاحُ مِنْكَ بِأَمْثَلِ

وقد أغتَدي والطّيرُ في وُكُناتِها … بمُنجَردِ قَيْدِ الأوابِدِ هَيْكَلِ

مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعاً …كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ

#هاني_طاهر 20 فبراير 2018

 

(Visited 22 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

حيل الميرزا للهروب من التحدّي مواجهةً

حيل الميرزا للهروب من التحدّي مواجهةً كثيرون هم العلماء الذين تحدوا الميرزا أن يواجههوه باللغة …

Kyrie Irving Authentic Jersey