في جوامِع الكَلِم

 

هذا هو عنوان الفصل الخامس في كتاب “المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر” لابن الأثير المتوفى عام 637هـ.

يقول:

“قال النبي صلى الله عليه وسلم: “أوتيت جوامع الكلم”… والمراد بذلك أنه أوتي الكَلِم الجوامعَ للمعاني… مثل “حَمِيَ الوطيس” وهذا لم يُسْمَع مِن أحد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أتينا بمجاز غير ذلك في معناه فقلنا “استعرت الحرب” لما كان مؤدياً من المعنى ما يؤديه “حمي الوطيس”….

وقد ورد شيء من ذلك في أقوال الشعراء المفْلِقين، ولقد تصفحتُ الأشعارَ قديمَها وحديثها وحفظتُ ما حفظت منها، وكنت إذا مررتُ بنظري في ديوان مِن الدواوين ويلوح لي فيه مثل هذه الألفاظ أجد لها نشوةً كنشوةِ الخمر، وطرباً كطرب الألحان. (المثل السائر)

يُتوقَّع ممَّن علّمه الله 40 ألفا من اللغات العربية أن يبهرنا بجوامع الكلِم التي أوتِيَها، ولا بدَّ أن يجد الناس “نشوةً كنشوةِ الخمر، وطرباً كطرب الألحان” حين يقرأون كتب الميرزا وأشعاره!!

ويُتوقَّع من الأحمديين أن يكونوا قد صنَّفوا عشرات الكتب في جوامِع كلِم الميرزا، وأن تكون تعبيرات الميرزا قد فرضَت نفسها على العالم العربي من محيطه إلى خليجه. فهل سمعتم بأحد كتب شيئا عن الجِدَّة في ألفاظ الميرزا ومعانيه، أو عن الصورة الفنية عنده، أو عن جوامع كلِمه، أو عن التراكيب غير المسبوقة وغير المسروقة!!

صحيح أنّ الناس متفاوتون في تذوّق الجمال، ولكن أذواق الناس ليست متناقضة، فالصورة الجميلة يتفق على جمالها كل الناس أو غالبيّتهم العظمى، ومثلها اللحن الجميل، والصوت العذب، ويستحيل أن يتواطأ الناس جميعا على إنكار الحقيقة. فإذا كانت لغة الميرزا إلهية، وإذا كان الله علّمه 40 ألفا من اللغات العربية، فلا بدّ أنْ يشعر القارئ بعذوبة كلامه، وسِحْر ألفاظه، وروعة نَظْمِه، وجمال تراكيبه.. ولا بدّ أن يُصَوّت معظم قراء هذه الصفحة على أنّ فقرة الميرزا التالية قد سَلَبَتْ عقولَهُم، وقد تركَتْهُم حيارى مِن رقّتها وعذوبتها وسلاستها وحُسْنِ سَبْكِها.

يقول الميرزا:

ألا يعلمون أن لفظ التوفّي الذي يوجد في القرآن قد استعمله الله للموتى الذين خلوا من قبله أو ماتوا من بعده؟ أو لم يكفِ شهادةُ رب العالمين؟ أو لم يكفِ لهم ما اعتاده العرب إلى هذا الوقت؟ وإذا قيل لجاهل أُمِّيّ من العرب أن الفلاني تُوفي فيعرف أنه مات. فانظرْ، أما ترى هذه المحاورة جارية فيهم؟ ثم انظرْ أنهم كيف فرّوا معرضين. وقال بعضهم أن آية: {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَني} حقٌّ، ولا شك أنها يدلّ على وفاة عيسى عليه السلام بدلالة قطعية… فحاصل كلامهم أن للخَلق كلهم موت واحد وللمسيح موتين. ولكننا إذا نظرنا في كتاب الله سبحانه فوجدنا هذا القول مخالفا لنصوصه البينة. (حمامة البشرى)

ولا بدَّ أن يُجمعوا على أنّ شعره الهجائي التالي قد أذهلهم، وقد أسكرهم، وقد أرقص قلوبهم طربا ونشوة، حيث يقول متحدثا عن الشيخ محمد حسين:

رجلٌ ببطنِ “بَطَالة” بَطّالةٌ … تغلي عداوته كرعدِ طَخاءِ

لا يحضر المضمارَ مِن خوفٍ عرَا … يهذي كنسوان بحجب خفاءِ

قد آثر الدنيا وجِيفةَ دَشْتِها … والموت خير من حياة غطاءِ

يا صيدَ أسيافي إلى ما تأبِزُ … لا تُنجِينّك سيرةُ الأطلاءِ

نجسّتَ أرضَ “بطالة” منحوسة … أرض محربِئةٌ من الحِرباءِ (مكتوب أحمد)

فإنْ أجمعَ الناس على أنّ هذا النثر والشعر قد ملأهم غثيانا ونكَدا وسُخطا وضيقا، فهل بقي للمماحكين مِن سبيل؟

#هاني_طاهر 19 فبراير 2018

 

 

 

(Visited 17 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

حيل الميرزا للهروب من التحدّي مواجهةً

حيل الميرزا للهروب من التحدّي مواجهةً كثيرون هم العلماء الذين تحدوا الميرزا أن يواجههوه باللغة …

Kyrie Irving Authentic Jersey